ملا محمد مهدي النراقي
143
جامع السعادات
العجز والقصور ، وإن صنفا واحدا من الأصناف الغير المتناهية من ملائكته ملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شئ ، هم أهل المحبة لله ، ما خطر على قلوبهم مذ خلقهم الله - وهو ثلاثمائة ألف سنة قبل خلق العالم - سوى الله - سبحانه - ، وما ذكروا غيره ، لأستحيي منه حق الحياء أن يعد ما عليه من المعرفة والمحبة معرفة ومحبة ، وخرس لسان عن التظاهر بالدعوى . وروي في بعض الأخبار : ( أن بعض أهل الله سأل بعض الصديقين أن يسأل الله - تعالى - أن يعطيه ذرة من معرفته ، ففعل ذلك ، فحار عقله وذهل لبه ، ووله قلبه ، وهام في الجبال ، وبقي شاخصا سبعة أيام ، لا ينتفع بشئ ولا ينتفع به شئ ، فسأل له الصديق ربه أن ينقص بعض الذرة من المعرفة التي أعطاه ، فأوحى الله - تعالى - إليه : ( إنا أعطيناه جزءا من مئة ألف جزء من ذرة من المعرفة ، وذلك أن مئة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي سألني هذا ، فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا ، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيتك ، فقسمت ذرة من المعرفة بين مئة ألف عبد ، فهذا ما أصابه من ذلك ) . فقال : سبحانك سبحانك ! أنقصه مما أعطيته ، فأذهب الله عنه جملة ما أعطاه ، وأبقى فيه عشر معشاره وهو جزء من عشرة آلاف جزء من مئة ألف جزء من ذرة ، فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه ، وسكن ، وصار كسائر الكمل من العارفين ) ( 38 ) . والحق أن حقائق الصفات الإلهية أجل وأعظم من إدراك العقول البشرية ، ولا يطيق أحد من الكمل أن يتحمل لفهم جزء من الأجزاء الغير المتناهية منها فالوصول إلى ما عليه الحضرة الربوبية من العظمة والجلال وسائر صفات الكمال في حيز المحال ، ( وما قيل أو يقال فيه ) وهم أو خيال فأين يحصل لأحد ما يليق به من المعرفة والمحبة ؟ فلو أمكن أن تدخل أمثال هذه العوالم المخلوقة من السماوات والأرضين وما فوقهما وأضعافهما بقدر غير متناه في جوف خردلة ، لأمكن أن تدخل في أعظم العقول ذرة من عظمته وجلاله ، وغاية المعرفة أن يعرف عظمته وقدرته وجلاله وعزته وسائر أوصافه الكمالية بأمثال هذه العنوانات وتمثيلات ، وهي أيضا لو ضوعفت إلى
--> ( 38 ) صححنا الرواية على ( إحياء العلوم ) : 4 / 288 .